يعالج هذا البحث نصًا لمرسوم أميري خاص بالأمير جاني بك نائب السلطنة المملوكية بثغر جدة، نقش على عمود رخامي بالزيادة العثمانية بالمسجد الحرام، وقد وردت فيه وظائف وألقاب لهذا الأمير الذي كان يشغل نيابة جدّة، وتقديرات نقدية لمصروفات حددت بالدراهم والدنانير الأشرفية، كما أشار إلى عمارته لمدرسة وجامع بثغر جدّة رتب له إمامًا ومؤذنًا وخطيبًا ووقادًا، كما أورد النص عمارة لمدرسة وبئر بالأبطح بالمعابدة بمكة المكرمة، وكذلك تعمير لعين حنين إحدى عيون مكة المكرمة، وإنشاء دارين بردم سيدنا عمر بن الخطاب ] بالجهة الشرقية من الحرم المكي الشريف، وأوقف على كل ذلك أوقافًا بالقاهرة.
وقد قام الباحث بقراءة نص المرسوم والتعليق عليه والتعريف بصاحبه، وهو الأمير جاني بك نائب جدّة، وما تقلده من وظائف، وما خلع عليه من ألقاب، ثم تحليل للنص.
التعريف بالنقش:
نقش النص على عمود رخام بالحرم المكي هو العمود الثالث للداخل من باب السلام بالنسبة للمتجه إلى الكعبة المشرفة بالرواق الشرقي بالمسجد الحرام بقياسات (185) سم ارتفاعًا و(80) سم قطرًا في هيئة دائرية تشغل ثلثي العمود في أربعة عشر سطرًا أسفل زخارف نباتية تقع أسفل تاج العمود الكورنثي [تاج شله لوحة رقم (3، 4)].
ويمتاز النص الذي نقش بالقلم النسخ الثلث(1) بوجود زخرفة، وهي ميزة تميزه عن النصوص المنقوشة بالحرم المكي التي قام الباحث بدراستها، ومن ثم نشرها في مرحلتي الماجستير والدكتوراه من نقوش الحرم المكي الشريف(2).
نص المرسوم:
[1] بسم الله الرحمن الرحيم أمر المقر الأشرف العالي المولوي الأميري الكبيري جاني بك الظاهري.
[2] الملكي الأشرفي نائب السلطنة الشريفة بثغر جدة المحروس وعين أعيان الأمراء...
[3] عز الله أنصاره وضاعف اقتداره أن يصرفه من ريع أوقاف القرى بالقاهرة المحروسة [ما مقداره] ثلاثون ألف درهم.
[4] [.........] الآن بالديار المصرية لعمارة عين مكة المشرفة المشهورة بعين حنين.
[5] [صهريج] الغيط بإنشائه بالأبطح بمكة المشرفة يشرب منها [متى أحب] [........] الناظر..
[6] [..........] إلى بقية الجهات الموقوف عليها مكان الأشرف المشار إليه [قبل] تاريخه في سنة اثنين وخمسين وثمانماية.
[7] الغيط المذكور ومدرسة بالأبطح [ودرقاعة] ذلك كله بالخشب النقي الجديد المانع أصناف [.....] ولمدرسته المذكورة.
[8] ومحراب [وخمسة] شبابيك [......] صهريج مياه عظيم وسقاية للواردين والصادرين [.......] ولحوض [الماء] لشرب البهائم [.......] والسقف المذكور بالغيط المذكور.
[9] مزارع [وبستان] وأشجار وغير ذلك ورتب لقراءة المصحف الشريف ووقود القناديل بالمدرسة المذكورة وعلى السقاية والصهريج وحوض البهائم [والبقر].
[10] في كل عام مائة دينار ذهبًا أشرفيًا خارجًا عما أمر بصرفه لعمارة العين المذكورة [...........] وعلى وقف المدرسة المذكورة والجامع الذي أنشأه بجدة المعمورة.
[11] وقرر فيه خطيبًا وإمامًا ومؤذنًا ووقادًا [وموضعان] [يعرفان] بالخرمانية بجوار المعابدة [........] ودار بردم سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ] [ودارين] [..............].
[12] بجدة المعمورة [رسم] [يغني عن تجديدهما] وحصل الناظر بالديار المصرية أن يصرف على ذلك كله [.......] ولو لم يتحصل [جرت] [.........] المذكورة.
[13] شيء وصرف الناظر على ذلك من ريع أوقافه ما جرت العادة بصرفه على ذلك وقفًا شرعيًا ابتغاء وجه الله العظيم وطلبًا لثوابه والحسنى بكتابته ورسم ذلك في.
[14] تاريخ سنة ثلاث وستين وثمانماية.
التعليق على نص المرسوم:
1 - نقش المرسوم في أربعة عشر سطرًا، بدأ بالبسملة كاملة، ثم الأمر الأميري من السطر الأول.
2 - احتفظ السطران الأول والثاني بألقاب الأمير جاني بك والممثلة في المقر، الأشرف، العالي، المولوي، الكبيري [الأميري]، الظاهري، [الملكي الأشرفي]، نائب السلطنة الشريفة بثغر جدة المحروس وعين أعيان الأمراء.
3 - دعاء للأمير: "عز الله أنصاره"، "وضاعف اقتداره" في السطر الثالث.
4 - السطر الثالث يحدد مصروف بما مقداره ثلاثون ألف درهم [30000] درهم من ريع أوقاف الأمير بالديار المصرية في السطر الرابع أيضاً.
5 - حدد نوعيات المصارف في السطر من [4] إلى السطر [9].
6 - في السطر العاشر تحديد مبلغ 100 دينار ذهب أشرفي خارج عن أمر الصرف للعين المذكورة [عين حنين] وعلى وقف المدرسة والجامع بجدة.
7 - من السطر الحادي عشر رتب خطيباً وإماماً ومؤذناً ووقاداً للجامع والمدرسة.
8 - تاريخ النقش خصص له سطر [14] وهو تاريخ سنة 863هـ.
9 - يفتقد النص لقراءة بعض الكلمات في الأسطر: الأول، والرابع، والخامس والسادس والسابع والثامن والعاشر والحادي عشر والثاني عشر.
10 - أمكن قراءة بعض الكلمات في الأسطر: الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، التاسع، الحادي عشر، والثاني عشر.
صاحب المرسوم:
الأمير جاني بك ولد عام 810هـ/ 1407م في إحدى بلاد الجركس، وجلب إلى مصر، واشتراه الأمير إسنبغا الطياري وعلَّمه ورباه، وباعه شابًا إلى السلطان الظاهر جقمق (842 - 857هـ/ 1438 - 1453م)(3)، وهو أمير قد بلغ 27 عاماً في سنة 837هـ/ 1433م(4)، وقد تدرج عند السلطان الظاهر جقمق، وجعله خاصكياً(5)، وأمَّره في سنة 849هـ/ 1445م، وولاه نيابة جدة(6)، فعظم ونهض فيها حتى صار حاكمًا للحجاز جميعه، وكاتبه ملوك الأقطار من كل جهة(7).
ويصفه ابن إياس بقوله: "أمَّره فكان أميراً جليلاً في سعة من المال، وكان كثير الخيل والخداع والدهاء في نفسه، سيوساً في أفعاله وأحكامه، كريم النفس، سخي اليد، كان أسمر اللون، قصير القامة جدًا، شايب اللحية، عليه الوقار والسكينة، كان مولعًا بغرس الأشجار وحب الرياض"(8)، ووصفه السخاوي "بمهارته وحذقه وحسن كلامه وفصاحة عبارته، وهو في مجمله كثير المحاسن والمساوئ"(9).
قتل في مستهل ذي الحجة سنة 867هـ/ 1462م عند باب الجامع الناصري بالقلعة، وجهز، وصُلـِّي عليه عند باب القلعة، ودفن تربته بالقرافة(10).
وقد نجح الأمير جاني بك في تولي نيابة جدة، وحقق لسلاطينه(11) مكاسب كبيرة، فضلاً عن تزايد ثروته ومكاسبه الشخصية، فكان لذلك أثره في العمارة والتشييد الذي أثرى به الآثار الإسلامية في مصر ومكة المكرمة.
ثغر جُدّة:
جُدّة بالضم والتشديد. والجدة في الأصل الطريقة، والجُدة: الخطة التي في ظهر الخمار عادة تخالف سائر لونه [يعني البيئة أو السجافة التي تحيط بنهاية الثوب أو الأسُل].
وجدة فرضة مكة بينها وبين مكة ثلاث ليالٍ كما حدد ياقوت الحموي عن الزمخشري وعن الحازمي يذكر أن بينهما يومًا وليلة(12).
وهي إحدى موانئ الجزيرة العربية في المملكة العربية السعودية تقع على شاطئ البحر الأحمر، كانت تمتد على طول الساحل قدر ميل(13)، طولها من جهة المغرب أربع وستون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها إحدى وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة(14).
وقد شيّد لها السلطان المملوكي قانصوه الغوري(15) سورًا له أبراج(16) ذا خمسة أضلاع، ارتفاعه أربعة أمتار، اشتمل على تسعة أبواب لتأمين ثغر جدة من البرتغاليين، وظل السور قائمًا حتى عام 1367هـ/ 1947م(17).
وترجع أهمية ثغر جدة بعد تدهور ميناء عدن الذي كانت تمر به السفن القادمة من الهند(18) حتى إن القلقشندي وصفها بأنها محل حط وإقلاع(19) السفن؛ مما يقف دليلاً على آلية الحركة التجارية داخل هذا الثغر الذي كان يجـلب للدولة المملوكية الرسوم الجمركية والمكوس المفروضة على السفن، مما جعل السلاطين المماليك يهتمون بهذا الثغر، ويولون عليه نائبًا عن السلطنة شريطة الولاء، وقد أطلق على هذا النائب لقب "ناظر جدة"، وكان أول من تولاَّهُ بصفته ناظرًا الكاتب سعد الدين إبراهيم بن المرة، الذي عمر بها جامعًا(20).
وإذا لم يحظ الوالي أو النائب أو الناظر برضا السلطان لقلة عطائه وتهاونه في جني المكوس وجددها للسلطان أو الاستئثار بها لنفسه يتعرض للعزل أو مصادرة الأموال، وربما للنفي كما حدث في زمن السلطان الأشرف برسباي (825-841هـ/ 1421-1437م)(21).
ويلحــظ أن الأمير جـــاني بك استطـــاع أن يدير هذا الثغر باقتدار؛ مما كان له أثره في نفسية السلاطين الذين أبقوا عليه نائبًا لجدة.
وظائفه:
شغل الأمير جاني بك وظائف عدة، كما خُلع عليه كثير من الألقاب تظهر هذه الوظائف والألقاب من خلال النصوص والنقوش الكتابية(22)، وأيضًا من خلال ما ورد بوثيقة بيع منسوبة للأمير جاني بك مؤرخة بسنة 864هـ(23)، أو ما أوردته المصادر التاريخية(24)، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: نائب جدة
من الوظائف المهمة في العصر المملوكي؛ نظراً لأهمية ميناء جدة بالنسبة للدولة المملوكية، وقد أشرنا إلى ذلك أيضًا(25).
وقد وردت هذه الوظيفة ضمن الكتابات التذكارية(26) بصيغة "نائب السلطنة الشريفة" و"نائب السلطنة الشريفة بالأقطار الحجازية"، "مسبوقة باسم جاني بك"، بينما وردت بوثيقة البيع "السيفي جاني بك نائب جدة"(27)، ووردت بالسطر 27 من الوثيقة نفسها بـ "السيفي جاني بك أحد الأمراء المقدمين بالديار المصرية ونائب السلطنة الشريفة بجدة المعمورة"(28). أما المصادر التاريخية فورد بـ "نائب جدة"(29).
وقد استمـر جاني بك أميرًا على جدّة حوالي ثمان سنوات من سنة 849هـ إلى سنة 857هـ (1445-1453م)، وقدم عليه من السلاطين خمسة سلاطين من الدولة الجركسية(30)، وذلك لما حظي به لدى سلاطينه من مهارة وذكاء ومهابـة ووقار وسياسة ورجاحة عقل وقوة نفوذ؛ فنهض بما لم ينهض به غيره من الأمراء(31)، واستطاع أن يحقق أرباحًا طائلة عاد بها إلى السلطان مما زاده حظوة عنده(32).
وخلع جاني بك عن نيابة جدة سنة 857هـ/ 1453م، وتولاها الخاصكي المعروف برصاص(33)، وولي هو الاستادارية كما سيرد، والدوادارية كدوادار كبير عام 865هـ/ 1460م(34).
ثانيًا: الاستادارية
وليها "جاني بك" سنة 857هـ/ 1453م(35) في عهد السلطان المنصور فخر الدين عثمان بن جقمق(36)، وتعذر بشغله هذه الوظيفة توجهه إلى جدة. أما عن لقب الاستادار؛ فيذكر الباشا(37) أن لفظ "دار" يدخل في تكوين بعض ألقاب الوظائف في الدولة الإسلامية لا سيما في عصر المماليك، ويعد مشتقًا من المصدر الفارسي "داشتن" بمعنى التملك أو التصرف أو الضبط، ويختلف بعض المؤلفين المحدثين مع القلقشندي من أن لفظ "دار" ليست من الفارسية بقدر كونها من اللفظة العربية بمعنى القصر أو المحلة، وأن اللقب في أصله هو "أستاذ الدار"(38).
وبالتعرض للعرض التاريخي للنقوش التذكارية التي ورد بها اللقب يؤيد الرأي الحديث، ففي نص تذكاري خاص بخان العقبة مؤرخ سنة 610هـ يرد اللقب كاسم لوظيفة أبي منصور أيبك(39). وورد اللقب نفسه في نص تذكاري مؤرخ بسنة 630هـ في المسجد الجامع في صلخد(40). وورد أيضًا بقلب حرف الذال إلى حرف الدال "أستاد الدار" لوظيفة الأمير سلار في نقش تذكاري بمدرسة الأمير سلار سنة 703هـ(41). وفي سنة 740هـ جاء اللقب "أستاذ الدار العالية" بصفته لقبًا لوظيفة الأمير أقبغا في مدرسته(42). ونلحظه بصيغة "أستادار العالية" بصفته لقبًا لوظيفة الأمير سيف الدين جرجي الملكي الناصري على إناء من الزجاج محفوظ بمتحف فكتوريا وألبرت بلندن(43).
وقد استشهد الباشا بهذه النصوص من خلال تطور اللقب من "أستاذ الدار" إلى "استدار" للترجيح على كينونته العربية وأصله على ذلك(44)، وهو رأي يعد له قيمة في تفسير كلمة "أستاذ" التي حددها المقريزي(45)، ووردت لفظة "استادار" بما أورده محمد مصطفى زيادة عند تحقيقه كتاب السلوك.
واستمر جاني بك في وظيفة الاستادارية حتى ولي الأشرف سيف الدين إينال السلطنة (857-865هـ/ 1453-1461م)(46)؛ فأعفي منها، واستمر نائبًا لجدة؛ وهي ما يعني أن شغله هذه الوظيفة كان لبضعة أشهر، وبعزله منها وعودته لنيابة جدة وظيفته الأولى يقف دليلاً على ثقة السلطنة المملوكية فيه، على الرغم من ثرائه من هذه الوظيفة. ولم ترد هذه الوظيفة ضمن الكتابات التذكارية أو الوثائقية رغم أنها دونت عام 864هـ(47)، وربما أن قصر مدة وظيفته فيها حدا بجاني بك عدم تسجيلها ضمن نصوصه التذكارية.
ثالثاً: أحد الأمراء المقدمين
وردت هذه الوظيفة في وثيقة البيع(48)، ولم ترد في أي من النصوص التذكارية أو المصادر التاريخية.
والمقدم يعني القائد، وهو لقب فخري لم يستعمل إلا بعد إضافة ياء النسب إليه فيرد "المقدمي"، وكان يطلق على مقدمي الألوف من الأمراء في عصر المماليك(49). وقد دخل هذا اللقب في تكوين بعض الألقاب المركبة مثل "مقدم الجيوش" و"مقدم العرب"(50). وقد يكون اللقب قد ارتبط بالأمير "جاني بك" كونه من الطبقة العسكرية لاتخاذه لقب السيفي ضمن الألقاب الخاصة به كما سنجد ذلك واضحًا عند تعرضنا لألقاب الأمير جاني بك.
رابعًا: الدوادارية الكبرى
وظيفة تتألف من مقطعين: "الدار" التي سبق أن تعرضنا لها في الوظيفة الثانية "الاستادارية"، وأصلها الفارسي أو العربي(51). وكلمة دواة التي تعني صاحب أو ممسك الدواة أو الموكل بها. وقد تعرض المقريزي(52) لهذه الوظيفة، فذكر أن الدوادار كان يقوم بالإشراف على الشؤون الكتابية للسلطان؛ فكان يشترك مع كاتب السر وأمير جاندار في تقديم البريد إليه، وكان من مهمته أيضاً عرض الصور النهائية من المكاتبات الرسمية على السلطان لتوقيعها. والأمير جاندار كان يقوم بمهام الحجابة في القصر، ويدير أمر حراسته في حالة خروجه كما كان يوكل إليه الإشراف على الزرد خاناه، وهو أخطر المتعلقات إليه وتنفيذ أوامره بخصوص مكافأة الأمراء أو التخلص منهم، فضلاً عن ذلك كان يشترك مع "الدوادار" وكاتب السِّر "في تقديم البريد للسلطان"(53)، وهي من الوظائف التي يشغلها العسكريون(54)، وقد أسندت هذه الوظيفة للأمير جاني بك في عهد السلطان الظاهر سيف الدين خشقدم (865-872هـ/ 1461-1467م)(55)، وذلك في رمضان من عام 865هـ/ 1461م(56)، ويدل ذلك على ثقة السلطان بالأمير جاني بك بعد نجاحه في موقعه بصفته نائبًا للسلطنة في جدة، وكان رنكه عبارة عن داوة(57).
وقد وردت هذه الوظيفة في المصادر التاريخية(58)، كما وردت ضمن النصوص التذكارية التي وجدت في قُبَّتِهِ الملحقة بمدرسته بالقادرية بالقاهرة(59).
خامساً: مدبر المملكة
والمدبر هو الذي ينظر في الأمر ويتقصى عاقبته. وقد استعمل لقبًا وظيفيًا منفرداً أو في حالة الإضافة إلى ياء النسب "المدبري"(60)، أو لقبًا مركبًا مضافًا إلى السلطنة أو المملكة أو الجيوش أو المماليك أو الدولة أو أمور السلطنة والسلطة للوزراء ومن في معناهم من كتاب السر وغيرهم(61).
وظهرت الوظيفة على الآثار الإسلامية بصيغة مدبر الممالك الإسلامية ومدبر الممالك الشريفة الإسلامية(62). ووردت بالمصادر التاريخية بصيغة مدبر المملكة(63) للإشارة إلى مملكة مصر وما يليها من بلاد تحت الحكم المملوكي. وهذه الوظيفة لم يرد ذكرها ضمن الكتابات التذكارية، ووردت بالمصادر التاريخية(64).
وأطلقت على جاني بك بعد أن أسند إليه السلطان الظاهر خشقدم منصب دوادار كبير، وفي ذلك تذكر تلك المصادر أنه "صار مدبِّر المملكة، وصاحب حلها وعقدها، ومحط الرحال، وزادت عظمته، وشاع ذكره، وبعد صيته في الآفاق، وكاتبه الملوك من كل جهة وقطر. وقد لازم وظيفة الدوادار الكبير منصبه كنائب لجدة وصاحب الفضل في اعتلاء السلطان الظاهر خشقدم دست الملك والسلطنة"(65).
ألقابه:
تلقب جاني بك بألقاب وصل عددها ستة عشر لقباً، وردت ضمن النصوص الكتابية التذكارية والنصوص الوثائقية والتاريخية، بعضها من ألقاب الأصول، والكثير منها من ألقاب الفروع، ومنها ألقاب النسب للسلاطين، وهذه الألقاب هي:
[أ] المجلس:
ويعني في اللغة موضع الجلوس، وقد استعير للإشارة إلى شخص الجالس تعظيمًا له عن التعبير عنه باسمه. وصار اللفظ عند كتاب المماليك أحد الألقاب الأصول التي ترد في سلسلة الألقاب، وتتفرع عليها باقي الصفات.
وظهر اللقب في أيام بني بويه(66)، ويحدد ابن شيث أنه في بدايته كان يختص بالسلطان في العصر السلجوقي(67)، وأطلق على السلطان سنجر قبل منتصف القرن السادس الهجري(68). وأطلق على عماد الدين زنـكي في الدولــة الزنكية(69). وفي الدولــة الفاطمية(70) أطلق اللقب على العذراء من أمراء الجيوش كونهم كانوا بمثابة السلاطين(71). وفي عصر الدولة الأيوبية(72) شاع استعمال اللقب الذي لم يكن من ألقاب السلطان وحده بل استعمل إلى جانب ذلك للأمراء الأيوبيين والوزراء.
وخوطب بلقب "المجلس" وزراء الخلافة العباسية(73) حيث أطلق على وزير بغداد في كتاب خاص بالقاضي الفاضل عن صلاح الدين يلتمس التقليد سنة 567هـ بعد القضاء على الخلافة الفاطمية(74).
وتوسع في استعمال اللقب؛ فأطلق في أواخر العصر الأيوبي على كبار الأمراء؛ مما أدى إلى اتضاعه دون مقام السلطان(75). وتضعضع اللقب في عصر المماليك حتى أصبح أدنى الألقاب الأصول في درجته، وإن كان أكثرها شيوعاً عند الكتاب، وربما يرجع اتضاع اللقب في عدم ظهوره في النقوش الآثارية النادرة؛ إذ إن الآثار تعمل في العادة باسم كبار رجال الدولة ذوي الألقاب العالية(76).
وأقدم نقش آثاري يحمل هذا اللقب هو نص تذكاري باسم المجلس الرفيع الشيخ الإمام محمد بن محمد بن عمر الكاساني بتاريخ سنة 608هـ من طشقند(77)، ثم أطلق لقب "المجلس" مرتبطاً بلقب "العالي" على السلطان أبي الفتح طغرل في نص تذكاري بتاريخ سنة 640هـ(78).
وأطلق على القاضي الأجل محمد بن الأشيتي عبدالله بن عمر بن علي بن أبي الوفا الأشيتي المديني(79).
وقد أطلق اللقب مرتبطاً "بالكبير"؛ أي: "المجلس الكبير" على جمال الدين الدمياطي ابن الشيخ بدر في نص تذكاري بتاريخ 672هـ في أيام السلطان الملك الظاهر بيبرس(80).
وقد تناول الكتاب في عصر المماليك لقب "المجلس" بالتصنيف والتبويب إذا لم تحدد درجاته وأقسامه وفروعه؛ فقد يأتي مفرداً أو ملحقاً بصفات نادرة "كالزعيم"(81) أو "الكبير"(82) أو بصفات معروفة "كالعالي"(83) أو "السامي"(84)، ولم يكن الفرق بينها واضحاً أو محدداً، بل كثيراً ما كان يستعمل أحدها لسلطان أو لأحد القضاة(85) من غير تعريف.
وانقسم اللقب إلى درجات عدة في عصر المماليك(86)، أعلاها "المجلس العاليّ" بتشديد الياء مع الدعاء، ثم "المجلس العاليّ" بالتشديد بغير الدعاء، ثم "المجلس الساميّ" بالياء المشددة، ثم "المجلس الساميْ" بياء ساكنة، ثم "مجلس" مضاف إلى اللقب الدال على الوضع دلالة خاصة، مثل: "مجلس الأمير" أو "مجلس القاضي" أو "مجلس الشيخ" أو "مجلس الصدر"، وليس أدل على ذلك إلاّ الإتيان باللقب الدال على الوضع مع حذف لفظ "المجلس"، فيقال: "الأمير" و"القاضي" و"الصدر" و"الشيخ". ومن التصنيف السابق يتضح أن لقب "المجلس السامي" حدٌّ فاصل بين الألقاب الأصول، "فالمجلس الساميّ" بالياء المشددة فما فوقه يستلزم ورود فروعه المفردة في صيغة البنية، أما "المجلس السامي بياء ساكنة فتأتي فروعه بالصيغة المجددة. هذا وقد ألحق كل من الألقاب السابقة بفروع معينة تتناسب مع الوظائف والطوائف الخاصة به، فأطلق "المجلس العالي" مع الدعاء على بعض الموظفين والطوائف، ومنهم أمير مكة وأمير المدينة(87) والوزير بالشام والملك في الأجانب وناظر الخاص وكاتب السر وناظر الجيش وناظر الدولة وكاتب سر الشام ونائب الكرك(88)، وكان الرسم له وفروعه كما ورد في كتاب أمير مكة "أدام الله نعمة المجلس العالي"(89).
[ب] العالي:
وقد ارتبط لقب المجلس بلقب فرعي هو العالي، وكانت مرتبته أعلى من لقب (السامي) الذي كان يشترك معه في وصف "المجلس"، فيقال: "المجلس العالي"(90)، ويأتي مضافاً إلى ياء النسب "العالي"، وكان من اللازم أن تكون جميع الألقاب المفردة اللاحقة مضافة إلى ياء النسب كذلك.
وهو من الألقاب التي تجري مجرى التشريف، فكان في عصر المماليك البحرية(91) يطلق على النائب الكافل، أو النواب بالممالك الشامية، فإذا كان الأمر صادراً عن نائب السلطنة كان يكتب ما صورته بالإشارة العالية الكافلية الفلانية أعلاها الله تعالى(92). وكذلك في حالة التوقيع عن النواب بالممالك الشامية كان الأمر يوصف "بالعالي" لا "بالشريف"، فيقال: "رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الفلاني"(93).
غير أنه في عصر المماليك البرجية(94) استقرت الحال على استعمال "الشريف" و"العالي" لكل من السلطان ونوابه؛ فكان يقال في حال التوقيع عن النائب: "رسم بالأمر الشريف العالي" كما كان يكتب عن السلطان(95).
وكان اللقب يستعمل في مكاتبات السلطان وولاة العهد بالخلافة عن الخليفة، فيكتب "بالإذن العالي المولوي الإمامي النبوي الثلاثي (بلقب الخلافة) أعلاه الله تعالى"(96).
كما كان يوصف به أمر السلطان إذا كان الوزير يكتب على المراسم ونحوها "امتثل الأمر العالي"(97).
وكان اللقب يأتي على صيغة التفضيل "الأعلى" ضمن ألقاب ملوك المغرب حسب عاداتهم في التفضيل من الصفات في التلقيب كـ [الأرفع](98).
[ج] المقر:
من الألقاب الأصول في عصر المماليك(99)، وهو في اللغة يعني الموضع والاستقرار، ويستعار به في المكاتبات للإشارة إلى صاحب المكان تعظيماً له عن التطلع باسمه.
وكان يرد في المرتبة التنازلية للقب "المقام"، وقد ورد في المكاتبات "المقر الأشرف" للسلطان مثله في ذلك مثل "المقام العالي"، وقد ظل هذا اللقب من اختصاص السلطان حتى أواخر القرن السابع، وأطلق "المقر العالي"، على المنصور قلاوون في العهد إليه بالسلطنة سنة 678هـ(100)، غير أنه لم يستمر في مكانته الرفيعة حيث انخفض مركزه إلى كبار الأمراء، ولكنه قبل اتخاذ السلطان قلاوون لهذا اللقب ظهر لنا في نص تذكاري لسبيل سيف الدين سلطمش بدمشق(101).
وأطلق لقب "المقر الكريم العالي" على الأمير الكبير بدر الدين بيسري الظاهري في نقش على مبخرة من النحاس من مصر بالمتحف البريطاني(102).
وفي سنة 677هـ أطلق لقب "المقر الأشرف العالي" على الأمير بدر الدين محمد بن بركة الظاهري في نص تذكاري لمسجده في جمادى الآخرة سنة 669هـ(103).
وأطلق هذا اللقب أيضًا على سيف الدين بكتمر الجوكندار في مسجد الصالح طلائع على لوح خشبي وضِـع أعلى عتب المنبر الخشبي بتاريخ جمادى الآخرة سنة 699هـ حيث لقب بلقب "المقر العالي"(104).
ويقر القلقشندي أن اللقب نُزل به من ألقاب السلاطين إلى كبار الأمراء والأعيان والوزراء من العسكريين، واستعمل في المكاتبات الرسمية والمستخدم للمدنيين من الوزراء والكتاب في المكاتبات غير الرسمية(105)، وذلك في القرن الثامن الهجري.
أما في القرن التاسع فقد أجاز القلقشندي(106) استعمال اللقب لأصحاب الوظائف الدينية والمشايخ الصوفية وأهل الصلاح في المكاتبات غير الرسمية بالإضافة إلى استعمالاته في القرن السابق.
وقد أطلق اللقب على سيف الدين قوصون في مسجد في نقش مؤرخ بسنة 727هـ(107)، وأطلق على سيف الدين أرغون الناصري نائب السلطنة المعظمة في نص على مشكاة بتاريخ سنة 727هـ بمجموعة موروت(108).
وأطلق على الأميـر الكـبير قيسـون الملكي الناصري في نص على شمعدان كبير من البرونز مؤرخ بسنة 730هـ من مدرسة السلطان حسن محفوظ بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة(109).
وأطلق اللقب على الأمير سيف الدين آلماس أمير حاجب الملك الناصر في نص مؤرخ بسنة 730هـ على إحدى المشكاوات(110).
وكما أطلق على سيف الدين أقبغا الأوحدي أستادار العالية في نص تذكاري بتاريخ سنة 734هـ في مدرسته(111)، واستخدم للأمير بشتك في نص بتاريخ 736هـ على قطعة من مشكاة(112)، وأطلق على الأمير أقبغا في نص بتاريخ 740هـ في مدرسته(113)، وأطلق على الأمير علاء الدين الطنبغا الساقي الناصري في التاريخ نفسه على قطعة من مشكاة(114)، وأطلق على سيف الدين طقشم الدوادار في نص على إحدى المشكاوات مؤرخة بسنة 745هـ(115).
وأطلق اللقب على الأمير سيف الدين صرغطمش رأس نوبة في نص على مشكاة صنعت لمدرسته بالقاهرة بتاريخ 756هـ(116)، وورد في نقشين آخرين لذات الأمير بتاريخ شهر ربيع الآخر سنة 757هـ في مدرسته(117)، وأطلق على الأمير طلبغا في نص تذكاري بضريحه مؤرخ 765هـ(118).
وقد ورد هذا اللقب الخاص "بالمجلس العالي" للأمير جاني بك ضمن وثيقة البيع(119) "... بمعاقدة المجلس العالي الأميري الكبيري القصدي الذخري السيفي جاني بك الأشرفي الكريم نائب جدة"، كما ورد لقب العالي صفة للمقر "الظاهري" في نقش على عضادتي مدخل منشأته بشارع القادرية(120).
[د] الأميري:
لقب فخري يصف الشخص أو صاحبه بالإمارة تفاخراً، وقد ورد اللقب مرتبطاً بالصفة الخاصة بالكبيري فسوف نذكرهما معاً بعد لقب المولوي.
[هـ] المولوي:
لقب نسبة إلى المولى والمولى هو السلطان أو الملك أو الحاكم أو الوالي، وينسب إليه صاحب اللقب للحصول على قوته من قوة حاكمه فهو يده الباطشة وعينه الباصرة في موقعه لا يعطي أمراً إلاّ مِنْ خِلاَل قوة مولاه ووليه وحاكمه. وقد تلقب بهذا اللقب جاني بك في المرسوم في سطره الأول(121).
[و] الأميري الكبيري:
وقد استعملت النسبة في هذا اللقب كلقب فخري(122). وأول من لقب به سيف الدين رستم بن علي بن محمد بن مروان الكردي الجلالي في نص تذكاري بتاريخ شهر ربيع الآخر سنة 533هـ في مدرسة السادات بدمشق(123).
وكثر استخدام هذه النسبة من هذا اللقب في عصر المماليك البحرية، واستعمله ابن فضل الله العمري للنائب الكافل من العسكريين(124)، وللقب الأشراف من المدنيين(125).
أما في عصر المماليك البرجية فقد عم استخدامه للعسكريين(126)، ووردت بعض النصوص التي تشتمل على هذه النسبة، فأطلق "الأميري" على "بدر الدين بيبرس الظاهري السعدي الشمسي في نص تذكاري من سنة 675هـ على مبخرة من النحاس من مصر "الأميري الكبير"(127)، وعلى الأمير بشتك في قطعة من مشكاة من سنة 736هـ(128)، تحتوي على نقش بتاريخ شهر المحرم سنة 748هـ، وعلى قطونيا ذهب في مدرسة "الأميري الكبيري"، وأطلق على الأمير طنبغا في نص مؤرخ بسنة 764-768هـ في ضريحه(129)، وعلى الأمير سيف الدين يلبغا الناصري الأشرفي أمير حاجب الأبواب الشريفة على مشكاة باسمه بعد سنة 775هـ(130).
وأشار القلقشندي(131) إلى ورود اللقب في التقاليد وفي مراسيم الولايات السلطانية، وقد أوردها الديوان السلطاني في طرة التقليد، ثم صار يقتصر في المراسيم على "الأميري" دون "الكبيري".
غير أن لقب الأمير الكبير يعد وحدة لقبية ذات مدلول فخري؛ إذ إنه لم يلحق منذ البداية بوظيفة معينة وإنما كان يطلق على قدامى الأمراء، وقد تفرع عن هذا على اللقب النسبة إليه "الأميري الكبيري"(132).
هذا الرأي للقلقشندي(133) حيث يعد"الكبير" لقبًا فرعيًا يأتي في الترتيب السكاني بعد لقب الأمير أو القاضي أو الصدر، فيقال: "المقر العالي الأميري الكبير" أو "المجلس السامي الأمير الكبير"(134).
وفضلاً عن ذلك فإن القلقشندي يعد لقب "الأميري الكبيري" أعلى من "الأمير الكبير"؛ ولذلك يلحق اللقب الأول "بالمقر" والثاني "بالمجلس".
وفي عصر المماليك شاعت النسبة؛ فاستعملت في صيغة النسبة، وأطلق على بدر الدين بسيري الظاهري السعيدي الشمسي في نص من سنة 675هـ على مبخرة من النحاس من مصر محفوظة بالمتحف البريطاني(135).
وأطلق على الأمير قطونيا الذهبي في نقش بمدرسته في المحرم سنة 748هـ(136)، وعلى الأمير طنبغا في ضريحه في نقش من سنة 764هـ وسنة 768هـ؛ وعلى الأمير سيف الدين يلبغا الناصري الأشرفي أمير حاجب بالأبواب الشريفة في نقش على مشكاة(137).
وقد ورد في النص للأمير جاني بك بالوثيقة بالسطر 26 "اشترى مولانا المقر الأشرف العالي الأميري الكبيري الذخري العضدي النصيري"(138).
وأطلق على كثير من أمراء المماليك(139)، واستمر استعماله كذلك لأكابر الأمراء العسكريين حتى أواخر عصر المماليك وأطلق على الأمير جاني بك أمير دوادار الكبير الملكي الظاهري في نقش تذكاري في جامع نائب جدة بتاريخ سنة 869هـ(140).
وقد ورد اللقب أيضاً للأمير جاني بك في نص الوثيقة "بالسطر رقم 26"(141) "اشترى مولانا المقر".
[ز] العضدي:
وهو لقب نسبه من العضد، والعضد في اللغة الساعد وقد ورد في القرآن الكريم(142)، {$ّمّا كٍنتٍ مٍتَّخٌذّ پًمٍضٌلٌَينّ عّضٍدْا}، {قّالّ سّنّشٍدٍَ عّضٍدّكّ بٌأّخٌيكّ}، واستعمل اللقب ليدل على المعين والمساعد لقيامه في المساعدة مقام العضد من الإنسان والنسبة إليه العضدي، وقد وردت ضمن ألقاب الأمير جاني بك بالوثيقة(143) سطر 21 "بمعاقدة المجلس العالي الأميري العضدي الذخري".
[ح] الذخري:
لقب للعسكريين في عصر المماليك(144)، وهو من الذخر؛ أي ما يذخر من النفائس. ويستخدم اللقب النسبة الذخري، أو يلحق بلقب لتكوين الألقاب المركبة كــذخر "ذخر الإسلام والمسلمين"، و"ذخر الأمة"، و"ذخر الدولة"، وهو لقب لكبار العسكريين، و"ذخر الغزاة والمجاهدين"، و"ذخر الطالبين"، و"ذخر الملة"، وهو من ألقاب العسكريين، "وذخر الممالك من ألقاب الملوك"، و"ذخر المملكة" و"ذخر الموحدين" من ألقاب كبار العسكريين كالنائب الكافل ونحوه، و"ذخر أمير المؤمنين"، وهو دون لقب "خليل أمير المؤمنين" في مصطلح كتاب الإنشاء في عصر الماليك(145).
[ط] السيدي:
يطلق على الأجلاء من الرجال والسيد في اللغة المالك والزعيم، واصطلح على إطلاقه على أبناء "علي بن أبي طالب"، وكثيراً ما كان يلحق في هذه الحالة "بالشريف"، فيقال: "السيد الشريف"، ولم يقتصر "السيد" على المنتسبين إلى النبي [، بل أطلق على بعض الولاة والوزراء(146)، وأطلق على السامانيين وأمراء بخارى وخوقند وخيوة(147).
ولقب "السيد" يحرف عند العامة إلى "سيدي"، وكان "السيد" يضاف إلى لقب ضمير المتكلم الجمع، فيقال: "سيدنا"، وهو من الألقاب التي تستعمل في مخاطبة أجل رجال السياسة والعلم والدين وخوطب به الخلفاء حتى كاد أن يقتصر عليهم دون غيرهم(148)، واستعملت النسبة في العصر المملوكي إلى "سيدنا" أو إلى "السيد".
[ي] السَّنَدِيْ:
من ألقاب النسب وهو نسبة للسند والسند المعتد، وكان يطلق على بعض الغزنويين، إذ وجد على نقودهم(149).
[ك] السيفي:
نسبة إلى "السيف" ويعني القوة(150)؛ واجتهد واضعو الألقاب في عصر المماليك ومؤرخوه في العصر الحديث في تصنيفه؛ فذكر القلقشندي أنه خاص بالعسكريين سواء أكانوا من الترك أم من المولدين لرغبتهم في الانتساب إلى القوة والشدة، ويتفق ذلك مع أسماء القواد الترك التي تعني القوة، مثل: يلبغا، ومنكلي بغا، وبي خجا، والمسني خجا، وتغري بردي؛ وأما المولدين فكان يطلق أحيانًا على من يسمى أبا بكر منهم.
غير أن اللقب كاد يقتصر على العسكريين في عصر المماليك البرجية، وقد حصر فان برشم (Van Berchem) ألقاب السلاطين البحرية والبرجية من الماليك ووضعها في جدول جمع فيه الألقاب الخاصة بالسلاطين وأعدادهم، والذين تلقب بها منهم بسيف الدين. كما أن السلطان الظاهر جقمق قد أطلق اللقب في سنة 842هـ على كبار موظفيه العسكريين(151). فضلاً عن أن عشرة سلاطين من سبعة عشر سلطانًا من المماليك البرجية قد تلقبوا بـ "سيف الدين"(152).
وقد تلقب جاني بك بهذا اللقب ــ أي السيفي ــ في وثيقة "السيفي جاني بك بن عبدالله أحد الأمراء المقدمين بالديار المصرية ونائب السلطنة الشريفة "بجدة المعمورة"(153).
[ل] الأشرفي:
من الأشرف نسباً وهي أفعل التفضيل من "شريف" بمعنى عال، وهو من "الألقاب التوابع" المتفرعة عن "الألقاب الأصول"، وهو أعلاها في عصر المماليك ودونه "الشريف"، ثم "الكريم"، ثم "العالي"، ثم "السامي"، ويعلل هذا الترتيب تعليلاً لغوياً مبنياً على المعنى، فيقال: "أشرف" أرفع من "شريف"؛ لأن "أشرف" أفعل تفضيل كما هو مقرر في علم النحو(154).
ونظراً لعلو هذا اللقب فإنه يتفرع إلى أعلى "الألقاب الأصول" "المقام" و"المقر"(155)، وكانا يستعملان للسلاطين ومن يقربهم من الرتبة(156).
وقد استعمـل بصفته لقباً خاصاً لجماعة من الملوك أولهم موسى بن العادل(157) ومحمد بن صلاح الدين(158) وخليل بن قلاوون(159)، غير أن اللقب أصبح رفيعاً لكثرة تلقب سلاطين المماليك به(160). وربما جاء اللقب ضمن ألقاب ملوك المغرب(161) جرياً على عاداتهم في استعمال الألقاب بصيغة أفعل التفضيل. وتلقب به الأمير جاني بك، ونجده ضمن ألقابه في الوثيقة(162) "الملكي الأشرفي أعز الله تعالى نصره".
[م] النصيري:
من ألقاب العسكريين من درجة "المجلس السامي" استخدم في عصر المماليك، وياء النسب نسبة إلى "نصير". وكان يضاف إليه بعض الألفاظ، لتكون ألقابًا مركبة، مثل: "نصير الدين"، و"نصير الحق بالبراهين"(163).
[ن] الملكي:
من لقب "ملك" مضافاً إليه ياء النسبة "الملكي"، واستعمل في عصر المماليك مثله مثل غيره من الألقاب؛ فكان يأتي أحيانًا ضمن ألقاب السلطان أو الملك حين ينسب إليه الأمر أو غيره إلى السلطان الملك المذكور، وفي هذه الحالة كان اللقب يلحق بالنعت الخاص مضافًا إلى ياء النسب كأن يقال: "رسم بالأمر الشريف السلطاني الملكي"، وكان يأتي في أحيان أخرى بعد اسم الملقب أو وظيفته في النقوش، ثم يتبع بنعت السلطان الخاص مضافاً إلى ياء النسب، وكان في هذه الحالة يشير إلى أن صاحب اللقب من أتباع السلطان المذكور، وأن النص الذي يضم اللقب قد نقش حين كان السلطان قائماً في السلطنة، وذلك بعكس الاكتفاء بذكر النعت الخاص دون لقب "الملكي" يعني ذلك أن السلطان كان على قيد الحياة وقائماً في الحكم أثناء نقش النص(164). وفي حالة ثالثة كان لقب "الملكي" يذكر تحت جرة البسملة في أول المكاتبات عن السلطان، وكان يلحق به في هذه الحالة النعت الخاص بالسلطان مضافاً إلى ياء النسب(165).
وقد تلقب به الأمير جاني بك حيث ورد بالوثيقة(166) ما نصه: "الملكي الأشرفي أعز الله تعالى أنصاره".
[ص] عين أعيان الأمراء:
من الألقاب المركبة والعين هي الشيء الرئيس في الوجه وهي أساسه بها تكتمل المعرفة فهي من الحواس المهمة بعدها السمع واللمس. وكان اللقب يضاف إلى كلمات أخرى لتكوين اللقب المركب، ويشير المؤرخون إلى لقب "عين القضاة" الذي تلقب به عبدالله بن محمد الحسن الهمداني، الذي قتل في أول المئة السادسة من الهجرة(167) و"عين المملكة"؛ أي: العين الحارسة للمملكة، "وعين الأعيان" من الألقاب المدنية في عصر المماليك(168)، وتلقب "بعين أعيان الأمراء" يعني أهم أمير من أمراء السلطان جاني بك في مرسومه المؤرخ سنة 863هـ بالحرم المكي الشريف(169). ويبدو الاختلاف في تدوين ألقاب الأصول والألقاب الفروع المترتبة عليها اختلاف وظائفه التي تدرج في شلغها.
الإصلاحات التي قام بها صاحب المرسوم الأمير جاني بك بكل من مكة وجدّة ووردت بهذا النص المؤرخ بسنة 863هـ:
لا تقتصر أهمية هذا النص على ما أورده من أسماء أو ألقاب ووظائف تقلدها الأمير جاني بك نائب جدة، وإنما تأتي أهميتــه أيضـاً من خلال ما ذكره من إصلاحات وأعمال خـيــريــة قام بهــا هــذا الأمير في كل من مكة المكرمة وجدّة المعمــورة على حـد تعبير النص، وبمقارنــة هــذه المعلومــات بما أورده المــؤرخون نجد مــا أورده المؤرخون يعدّ نــزراً يسيراً لمــا ذكــر في هــذا النص المهم، فالسخــاوي يشير في عبــارة مقـتضبة إلى أن جـاني بك قد أنشأ قصراً بالعسيلات بطريق منى وبستاناً وسبيلاً(170) دون تفصيل، كما يبدو أن السخاوي قد أخطأ في اسم المنطقة التي أقام عليها الأمير جاني بك بعض منشآته الخيرية حين سمّاها العسيلات، بينما حددها النص موضوع الدراسة بكل وضوح بأنها بالأبطح بالمعابدة بأعلى مكة وهي البستان الذي عبّر عنه بلفظ "الغيط" والبئر والصهريج؛ لأن الأبطح من المناطق الرئيسة التي يمر بها الحجاج والمعتمرون أثناء تنقلهم بين المسجد الحرام والمشاعر المقدسة في كل من منى ومزدلفة وعرفات فضلاً عن أن النص قد أوضح الهدف من إنشائها بالأبطح وذلك بقوله: "ليشرب منها الحجاج والمعتمرون وأهل مكة متى أحبوا الارتواء"(171).
ولم يقتصر النص على الإشارة إلى ما سبق، بل أشار إلى إنشاء مدرسة بالأبطح ودرقاعه وبستان وحوض لشرب البهائم؛ أي: أن النص أشار إلى مجموعة متكاملة من الأعمال الخيرية أقامها الأمير جاني بك في مكان واحد بالأبطح بالمعابدة بأعلى مكة(172)، وهو ما لم يهتم المؤرخون بذكره تفصيلاً، بل إن النص أمدنا بمعلومات أخرى أقامها الأمير جاني بك بأماكن أخرى بمكة، وهي دار أنشأها للأيتام بردم سيدنا عمر بن الخطاب ](173)، وهي المنطقة التي تعرف بالمدعي حالياً، وكذلك عمارته لعين حنين، وإنشاء دارين بجدة ومدرسة وجامع بجدة أيضاً، ورتب للجامع خطيباً وإماماً ومؤذناً ووقاداً(174)، فضلاً عما أنشأه من أوقاف بمصر يصرف منها على أوقافه بمكة وجدّة(175).
تحليل النص:
1 - نقش نص مرسوم الأمير جاني بك المؤرخ بسنة 863هـ بالخط الثلث الحجازي الجلي.
2 - يعد هذا النص على درجة كبيرة من الجودة والإتقان سواء في رسم الحروف أو حجمها أو توزيعها بين الأسطر؛ مما يقوم دليلاً على مدى ما بلغه الخطاط المكي من جودة في تنفيذ النصوص الكتابية، خاصة وأنه نقش على عمود من الرخام بطريقة دائرية تعد في الواقع من أصعب طرق التنفيذ مما يجعل الخطاط الحجازي - المكي - على قدم المساواة مع أشهر الخطاطين المصريين الذين بلغ الخط الثلث على أيديهم في مصر غاية الجودة والإتقان.
3- لم يكتف الخطاط المكي بجودة الخط فحسب بل قام بوضع إطار زخرفــي نباتي في غاية الإتقان لتحديد بداية النص ونهايته وهذا هو شأن الخطاط الحجازي وشدة تعلقه وغرامه بالزخرفة.
4- ربما يقال: إن الخطاط الذي نقش هذا النص هو خطاط مصري استقدمه الأمير جاني بك لتنفيذ هذا المرسوم على أحد أعمدة المسجد الحرام، وهذا الرأي لا يمكن الأخذ به؛ لأن أي خطاط يؤتى به من خارج الحجاز سوف يكون حريصاً على نقش اسمه في أعلى النص أو أسفله تخليداً لذكراه خاصة أنه نقش في أطهر بقعة على وجه الأرض يحرص كل خطاط على تخليد ذكراه فيها وهو ما لم يحدث مطلقاً، رغم كثرة النقوش والكتابات التي نفذت في المسجد الحرام، والتي لم يظهر فيها اسم خطاط غير مكي إلا في نقوش الخليفة المهدي عند إتمامه لعمارة المسجد الحرام سنة 167هـ وإتيانه بخطاطين من أهل الكوفة حرصوا على ذكر ذلك في نهاية عملهم بعبارتين هما "مما عمل أهل الكوفة" أو عمل "الكوفيين".
أو ما فعله الخطاط التركي عبدالله زهدي حين نفذ أعمالاً كتابية في المسجد النبوي الشريف بالمدينة وبعض الأعمال التي نفذها في مكة (176).
ملاحق البحث:
ملحق رقم (1)
ثبت بأسماء سلاطين المماليك البرجيّة(ü)
[792هـ - 923هـ/ 1390-1517م]
1 - الظاهر سيف الدين برقوق بن أنس العثماني اليلبغاوي 792هـ/1930م، توفي في 15 شوال سنة 801هـ/1399م.
2 - الناصر ناصر الدين فرج بن برقوق شوال 801هـ/ 1399م، هو الناصر زين الدين أبو السعادات فرج.
3 - المنصور عز الدين عبدالعزيز بن برقوق 25 ربيع الأول 808هـ/ 1405م، توفي في 6 ربيع الثاني سنة 809هـ/ 1406م.
- فرج، [للمرة الثانية] 4 جمادى الآخرة 808هـ/ 1405م (اغتيل في دمشق).
4 - العادل المستعين بالله أبو الفضل العباسي 815هـ/ 1412م [الخليفة].
5 - المؤيد سيف الدين شيخ المحمودي 815هـ/1412م [توفي في 17 المحرم سنة 824هـ/ 1421م].
6 - المظفر شهاب الدين أحمد بن المؤيد شيخ 824هـ/1421م.
7 - الظاهر سيف الدين ططر 29 شعبان 824هـ/1421م.
8 - الصالح ناصر الدين محمد بن ططر 4 ذي الحجة 824هـ/ 1421م.
9 - الأشرف سيف الدين برسباي 825هـ/1422م.
10 - العزيز جمال الدين يوسف بن برسباي 841هـ/ 1438م (حكم 94 يوماً).
11 - الظاهر سيف الدين جقمق [تشقمق] 842هـ/ 1438م.
12 - المنصور فخر الدين عثمان بن جقمق 857هـ/ 1453م.
13 - الأشرف سيف الدين إينال العلائي الظاهري الأجرود 4 ربيع الأول 857هـ/ 1453م، توفي في 15 جمادى الأولى سنة 865هـ/ 1461م.
14 - المؤيد شهاب الدين أحمد بن إينال 15 جمادى الأولى 865هـ/ 1461م (أربعة أشهر).
15 - الظاهر سيف الدين خشقدم 865هـ/ 1461م
16 - الظاهر سيف الدين بلباي 872هـ/ 1467م
17 - الظاهر تمربغا 872هـ/ 1467م
18 - الأشرف سيف الدين قايتباي 872هـ/1467م (توفي في 29 ذي القعدة سنة 901هـ/ 1496م).
19 - الناصر ناصر الدين محمد بن قايتباي ذو الحجة 901هـ/ 1496م.
20 - الظاهر قانصوه، تولى في 17 ربيع الأول 904هـ (1498م) وفرّ في 27 ذي القعدة 905هـ (1500م).
21 - الأشرف جانبلاط (اغتيل في ذي الحجة سنة 906هـ) مستهل جمادى الآخرة 905هـ/ 1500م.
22 - العادل سيف الدين طومان باي (لم يدم حكمه أكثر من مئة يوم) جمادى الآخرة 906هـ/ 1501م.
23 - الأشرف قانصوه الغوري آخر رمضان 906هـ/ 1501م.
24 - الأشرف طومان باي 922-923هـ/1516-1517م (قتله سليم الأول سنة 923هـ).
25 - الضم العثماني. ذو الحجة سنة 923هـ/1517م.
كشاف لوحات البحث:
1- اللوحات من [1-6]:
نص مرسوم الأمير جاني بك على عمود من الرخام بالناحية الشرقية من المسجد الحرام مؤرخ بسنة 863هـ.